الشيخ محمد رشيد رضا

514

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وأوردنا هنالك قوله تعالى في ذلك من سورة الجن ( 72 : 26 عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ - إلى قوله - لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ ) الآية . واستطردنا إلى تفنيد ما يدعيه بعض مشايخ طرق الصوفية أو يدعى لهم من علم الغيب والتصرف في ملك اللّه أحياءا وأمواتا بما أغنى عن اعادته هنا « 1 » ثم أطلنا البحث في علم الغيب في تفسير ( 6 : 59 وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ ) الآية وتكلمنا فيه عن الكشف وغير ذلك من معرفة بعض الأمور المستقبلة المتعلقة بمسألة الغيب الإضافي أو التي لا يصح أن تسمى عيبا لأن لها أسبابا فطرية « 2 » - وفي الكلام على اشراط الساعة الذي مر بك قريبا بحث فيما أطلع عليه رسوله بما دون الوحي من بعض الحوادث المستقبلة كتمثل الأشياء له تمثلا متفاوتا في الوضوح ، وهو لا يعارض هذه الآية كما علمت إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ هذا بيان مستأنف لتعليل ما تقدم من نفي امتيازه ( ص ) على البشر بملك النفع والضر من غير طرق الأسباب وسنن اللّه في الخلق - ونفي امتيازه عليهم بعلم الغيب ، عللهما ببيان حصر امتيازه عليهم بالتبليغ عن اللّه عز وجل ، والتبليغ قسمان : قسم مقترن بالتخويف من العقاب على على الكفر والمعاصي وهو الانذار ، وقسم مقترن بالترغيب في الثواب على الايمان والطاعة وهو البشارة أو التبشير . وكل منهما يوجه إلى جميع أمة الدعوة على الاطلاق والآيات فيه كثيرة ، ويوجه أيضا إلى من يؤمن وإلى من يصر على كفره واجرامه مطلقا ، وإذا ذكر الفريقان جميعا في سياق واحد يخصّ الكافرون بالانذار والمؤمنون الصالحون بالتبشير ، وقد ذكر في أول سورة الكهف الانذار المطلق بالقرآن ثم تبشير المؤمنين الذين يعملون الصالحات وإنذار متخذي الولد للّه تعالى من الكافرين . ومن المقابلة بين الفريقين قوله تعالى في آخر سورة مريم ( لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا ) وفي معناهما آيات أخرى في المقابلة كما ترى في أوائل سورتي البقرة والاسراء ، ولكن بدون ذكر لفظ الانذار . والتبشير لا يوجه إلى الكافرين والمجرمين بلقبهم إلا بأسلوب التهكم كقوله تعالى

--> ( 1 ) راجع ص 421 ج 7 تفسير ( 2 ) راجع ص 456 - 469 منه